محمود محمود الغراب

116

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

مختصة بأرباب الهمم ، ومعادن الحكم ، فقوتهم تسري في الأرواح ، بقلب صفات أعيان الأشباح ، فهذه صناعة علمية ، وسورة حكمية ، آلاتها روحانية ، ومواردها سماوية ، إكسيرها مقرون بسعادة الأبد ، وفعله مشاهدة الأحد ، يتصرف في العقلاء ، تصرف الأفعال بالأسماء ، وأما المرتبة الأخرى فهي صناعة عملية ، موقوفة على عناية أزلية ، تورث الجنان ، ومجاورة الرحمن ، ولهذا قال في الكتاب المبين نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ، فلمثل هذا فليعمل العاملون ، وفيه فليتنافس المتنافسون ، فمن أراد أن يقف عليها ، ويصل إليها ، فإنها الكنز الذي لا يهدّ جداره ، والزند الذي لا يظهر أواره ، وهي حكمة لا يودعها اللّه إلا الأمناء من عباده ، والمتأهلين بحضرة إشهاده ، فإذا أراد الشيخ أن يظهر في المريد ربوبيته ، يخفي عنه شيئيته ، ويضرب له ميقاته ، ثم يحجب عنه أوقاته ، ويأمره بالقصد إلى خط الاستواء ، حيث يكون الليل والنهار والحر والبرد فيه على السواء ، واعمد فيه إلى الجبل الشاهق في السماء ، فستجده جبلا عالي الذرى ، صعب المرتقى ، فيه أنواع من الحيوان ، وكهوف وغيران ، يعمره بيض وسودان ، جردته أكثر من خضرته ، تخترقه الرياح ، وتعمره النارية والنورية من الأرواح ، لهم سلطان عظيم يسكن في قبته ، ووزعته حافون بقنته ، له أجناد وأمراء ، وحكام وحكماء ، فقام بنفس الملك خاطر السعادة ، والتوجه إلى طريق الاستفادة ، بخرق العادة ، والبحث عن الأمر الذي به دوام الملك الذي بيده ، إلى أبده ، فاستعمل الفكر المحرق ، لما قام به من الشوق المقلق ، فأنتج له أن هذا الأمر موقوف على معرفة الحكمة ، وأنها موضوعة بين النور والظلمة ، موقوفة على المعدن والنبات ، محكوم عليها بعدد شهود الزنات ، ولكن قصر به الفكر عن تعين ذاته ، وعن الإدراك لجميع صفاته ، فقال له بعض حكمائه ، وأخص علمائه : أيها الملك مطلبك في قدرتي ، وحاجتك تحت قوتي ، ولكن قد لا تعرف قدرها ، فيحرمك اللّه خيرها ، فأنا أنبهك أولا على كيفية إيجادها ، وحسن استعدادها ، فإنها من اللّه بمكان ، وكأنها مشاركة للقدرة في إيجاد الأعيان ، فهي حكمة علوية ، مدرجة في صناعة عملية ، لتعلم أيها الملك أن اللّه هو الحكيم الخبير ، وأنه على كل شيء قدير ، وأنه قبل كل شيء ، وأنه أوجد الأشياء لا من شيء ، ولكن مع اتصافه بهذه القدرة المحققة ، النافذة المطلقة ، لم توجد هذه المعادن ابتداء ، حتى خلق اللّه سبحانه وتعالى الأفلاك العلوية ، والروحانيات السماوية ،